عمران سميح نزال
21
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
وقد اشتهرت آية الحفظ على الألسن أكثر من اشتهار آية الجمع ، بسبب اقتصار تفسير آية الجمع على معنى واحد ، وهو جمعه في قلب النبي عليه الصلاة والسلام « 1 » ، وهو تفسير صحيح روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، ولكنه تفسير غير قطعي الدلالة على أنه خاص بالنبي وحده ، كما فهم من الروايات وكتب التفسير ، لأن جمع القرآن الكريم في قلب النبي وحده لا يكون جمعا كاملا ولا تاما ولا وافيا ، إلا إذا جعل هذا الجمع عاما وشاملا لأتباعه عليه الصلاة والسلام في حياته ، ولكافة المسلمين والمؤمنين وللناس كافة إلى يوم الدين ، بل إن من لوازم حفظه أن يقوم حافظه بجمعه وقرآنه وبيانه ، وتأمين كل الشروط اللازمة لذلك . وأما تدوينه وكتابته على الصحف في الدنيا فهذه من الأمور الدنيوية ، التي يتكفل بها العباد كتاب ربهم ، أي أن ما ترك للعباد هو وسيلة تدوينه وحفظه بحسب إمكانياتهم الزمانية وقدراتهم التقنية ، وهو ما لا يدخل في عملية الجمع بالمعنى القرآني لهذه الكلمة ، وإنما في عملية التدوين ونوعها ؛ وقد أطلق بعض المسلمين على عمليات التدوين كلمة الجمع ، كما في كتاب الجامع الصحيح للبخاري وغيره ، وهو معنى عقلي مجازي للجمع لما بينهما من ترابط ومشاركة ، لأنه يجمع سور القرآن الكريم في رقاع وصحف أو في مصحف إمام ، أو على أشرطة مسموعة أو مرئية أو ممغنطة أو غيرها . ونقول : إن استعمال كلمة الجمع على عملية تجميع المدونات هو معنى حقيقي أيضا ، ولكن لما كان الأصل في جمع القرآن هو جمع ما تفرق نزوله وتم ذلك من اللّه تعالى ، فقد اعتبرنا كل جمع بعده وإن كان للمدوّنات المفرقة في مصحف واحد هو جمع بالمعنى العقلي والمجازي حتى يتميز عن جمع اللّه تبارك وتعالى للقرآن ، ولأن المعنى الحقيقي للجمع هو ما جاء به القرآن الكريم ، فالمعنى الحقيقي لجمع القرآن
--> ( 1 ) انظر : جامع البيان عن تأويل أي القرآن ، ( تفسير الطبري ) ، ابن جرير الطبري ( 310 ه ) ، تقديم الشيخ خليل الميس ، ضبط : صدقي جميل العطار ، 1415 ه - 1995 م ، دار الفكر ، بيروت ، ج 29 / ص 234 ، وغيره من كتب التفسير .